الأحد، 16 أبريل، 2017

حلم ليلة شتاء – محمد الفاضل




أريكة متهالكة عفا عليها الزمن ، تداعت أركانها ولم تفلح  بقايا مسامير صدئة تناثرت هنا وهناك  من إصلاح ماأفسده الدهر ، لم تعد تقوى على حمل أصحابها وكأنها في النزع الأخير ، تصارع من أجل البقاء . تتوسط الغرفة  طاولة خشبية يعلوها الغبار ويحيط بها ثلاثة كراسي بالكاد تتماسك، تصدر صريرا عميقا يشبه الأنين عندما يجلس فوقها قاطنو ذلك  المنزل البائس. حل الشتاء ضيفا ثقيلا على المدينة وهو يفرض شروطه القاسية ولم يجد الأهالي بدا من الإذعان لسطوته. هجعت الخلائق وبدأ الليل يسدل أستاره، غلالة من أبخرة غشيت زجاج نوافذ البيوت العتيقة وعانقت أسطح المنازل وأوراق الشجر.

عقارب ساعة قديمة تتمطى  بإيقاع رتيب مثل قط كسول، دقائق قليلة وينتصف الليل ،كان الوقت يمر بتثاقل ، ليلة شديدة البرودة تبعث على القشعريرة ، مساءات كانون معروفة بقسوتها في مثل هذا الوقت من العام ، تجبر كل من يرتاد الشارع أن يمارس طقوسا من الرقص مع حركات سريعة للأيدي والأرجل في محاولة مضنية لبث روح الدفء في الأوصال ولكن دون طائل.

خلف تلك الستائر الكالحة التي يمتطيها الغبار  يلوح شبح امرأة  ينعكس  ضوء شمعة خافت على قسمات وجهها الحزين المشوب بالخوف والقلق، توزعت الكدمات والهالات الزرقاء تحت عينيها الغائرتين، جبل من الهموم يربض فوق صدرها وعلى مقربة منها يرقد ولدها الوحيد فوق فراش بال ، تكور حول نفسه بعد أن سرت البرودة في سائر جسده النحيل ، لايستره سوى بطانية قديمة ، يتقلب يمنة ويسرة عله يقهر جنرال البرد ، الذي طالما هزم أعتى الجيوش وأجبرها على التقهقر والانسحاب.

صمت موحش يشبه صمت القبور يخيم على المكان ، الضباب يلف طرقات المدينة ويزرع الخوف ، وماهي سوى لحظات ، حتى سمع قرع شديد على الباب مع سباب وشتائم  مصحوبة باللعنات ، هرعت الأم المسكينة وهي تتخبط من شدة الخوف وكأنها تسعى إلى حتفها ، ارتعدت فرائصها، فتحت الباب بيدين مرتعشتين ، بدأ يمطرها بسيل من  الشتائم ويصفها  بأقذع العبارات والمسكينة تحاول أن تهدئ من روعه مخافة أن يستيقظ ولدها الوحيد . لم يفلح الليلة في بيع كل علب المناديل فعاد مبكرا على غير عادته من شدة البرد بعد أن هده التعب وهو يذرع الشارع جيئة وذهابا.

- كيف يمكن للحب أن يسحق تحت عجلات دوامة الحياة ؟ أين كلمات الرومانسية ونظرات الوله ، لقد تغير كل شئ ، كان يهمس في أذني مترنما ، أنت معشوقتي وحلم حياتي ، أين ذهبت كل تلك المشاعر؟ كانت تحدث نفسها.
- أين العشاء... أيتها الحقيرة؟ ألا يكفي أني أعمل كي أطعمك أنت وولدك الكسول. أخرجها ذلك الصوت من حلمها.

 بدا مثل الثور الهائج وهو يزبد ويرغي، تطاير الشرر من عينيه ، نزع حزامه وبدأ يذيقها شتى صنوف العذاب وهي تتوسل له بعيون دامعة وبحق العشرة التي بينهما أن يتوقف ولكنه لم يتورع عن المضي قدما وقد شعر بالانتشاء. لم يجرؤ الصبي على الحركة وبدأ يرتجف مثل أوراق الشجر القرمزية عندما تتلاعب بها رياح الخريف.

- هل بعت كل علب المناديل ؟ أرني كم معك ؟
-ولكن ، ولكن ،  كانت الليلة ... بدا الصبي متلعثما وهويجاهد كي ينجو من العقاب حيث أيقن أن دوره حان.

كانت الأم ترقب المشهد والألم يعتصر قلبها الغارق في لجة الأحزان ، مثل قطة تلعق جراحها النازفة ، لم تدر كيف واتتها الشجاعة الكافية  لمجابهة ذلك الوحش الذي تجرد من إنسانيته ، وقفت بجسدها المثخن بالجراح  لتحول بينه وبين فلذة كبدها.
- حسنا ، أيها الأوغاد ، سنرى غدا ، لاتفكر بالعودة إلى البيت دون أن تبيع كل علب المناديل ، صرخ  مهددا بقبضته .

في ذلك المساء الكئيب، خلت الشوارع من المارة ماعدا مرور بعض المركبات بين الفينة والأخرى ، الجوع والبرد ينهشان جسده النحيل ، لم يجد الصبي بدا من تقطيع الصندوق الكرتوني الذي يضع فيه علب المناديل ، طفق يشعل النار ليلتمس الدفء الذي حرم منه. في الجهة المقابلة من الشارع الذي يقطنه الأثرياء ، خلف الستائر المخملية ، راح يتأمل الأضواء التي كانت تتلألأ وتتراقص مثل النجوم  المعلقة في السماء ، تخيل نفسه في ذلك المكان الساحر.

كل شئ يخطف الأبصار، جلس في مقعده الجلدي الوثير مرتديا بيجامته القطنية  أمام الموقد وهو يرقب قطع الحطب المشتعلة ، رائحة شواء الكستناء يسيل لها اللعاب ، يرتشف كوبا من الشاي الساخن ويلتهم قطعة التورتة بتلذذ ، سرحت عيناه  في الأفق البعيد  وقد ارتسمت فوق ثغره ابتسامة رضا. بيد أن جسده  كان متخشبا ، وشفاهه تكسوها زرقة داكنة.


Read more ...

الأحد، 9 أبريل، 2017

قارب الأحلام – محمد الفاضل




جلست والدتي على الأريكة وهي في حالة صدمة وذهول ، غير مصدقة أنني سوف أهاجر، لقد أزفت ساعة الرحيل ، هي تعرف أن كل من يهاجر لن يعود ويصبح في طي النسيان ، مجرد ذكرى وصور تعلق على الحائط أو داخل ألبوم صور ثم ماتلبث أن تذوي رويداً رويداً وتنوب عنها المكالمات والرسائل ، ألم يمزق أحشاءها ومشاعر يتم بدأت تجتاح روحها المتعبة ، بالرغم من وعودي المتكررة أنني حالما استقر سوف أستقدمها ولن أتركها نهباً للوحدة والهواجس . حاولت أن تبدو قوية، ولكن عاطفة الأمومة كانت جارفة ، فجرت بركاناً من الشجن فبدأ صوتها يتحشرج وانهمرت دموعها الحارة.

- يا تيتة نحن بنحبك كتير وما راح نتركك أبداً ، بدت عبارات الأولاد مثل سكاكين تنغرز في الخاصرة .

أسقط في يدي ولم تعد رجلاي تقويان على حملي وبدأت أجهش بالبكاء ، مما ضاعف من ألمها .
- أنا أعرف يا حبة القلب وحشاشة الروح أنك بعت كل ماتملك واقترضت مبالغ من إخوتك ، ولكن فراقك يقتلني ، ومع ذلك لن أكون حجر عثرة في طريق مستقبلك . اذهب يا ولدي وعين الله ترعاك .

في تلك اللحظة أحست وكأن قلبها اقتلع من جوفها ، دسست رأسي في حجرها وأخذت تربت على كتفي وتداعب خصلات شعري فما زلت طفلها المدلل، تذكرت كيف كانت تجثو عند سريري وتقرأ لي ماتيسر من القرأن عندما كانت تداهمني نوبات الربو .
كان وداعاً حزيناً يشبه المأتم، مازلت أذكر كيف تعلق أصغر أولادي،أسامة بطرف ثوبها . رحلنا وأخذنا معنا قطعة من روحها فظل جسدها يجتر الذكريات.

بدأت رحلة المعاناة والسفر نحو المجهول ومحطات الشتات ومرافئ الوداع ،  تلقي بظلالها الرمادية على أفراد العائلة ، بعد انتظار طويل تهللت وجوه المهاجرين بوصول  قارب الأحلام ، أجساد أشباح تتسلل في الظلام يحدوهم الأمل بمستقبل واعد ، قارب صغير لايتسع سوى لأعداد قليلة ، ولكن تم حشر الجميع وكأنهم مجموعة خراف. رائحة الخوف والعرق تملأن المكان ، كان الأولاد يجلسون عند مقدمة القارب وقد جفت حلوقهم من العطش، بعد مضي ساعات والقارب يمخر عباب البحر، بدأ الماء الصالح للشرب ينفذ .
 أبو الخير رجل يناهز الستين من عمره ، ترك قريته مع زوجته بعد أن فقد جميع أولاده وقرر البحث عن وطن ، أشعل لفافة تبغ وشرع يمجها بنهم وهو ينفث الدخان متطلعا نحوالأفق البعيد بعيون دامعة. أما زوجته ، أم الخير فقد كانت تقرأ الأدعية والأذكار،خلفهم تماما شاب في مقتبل العمر يحتضن عروسه بترقب وخوف بالغ، في الهزيع الأول من الليل اكفهرت السماء وعلا الموج وبدأ القارب الصغير يترنح مثل قطعة فلين .انتشر الهلع وتعالت الأصوات بالصراخ والدعاء ، لاذ الأطفال بأمهاتهم مثل فراخ اليمام .

حاول الصغار أن يتشبثوا بأي شيئ يصادفهم ولكن دون جدوى ، تراخت قبضاتهم الصغيرة مع ارتفاع الأمواج كالجبال وبدأت تكتسح سطح القارب. كانت زوجتي تحتضن إحدى بناتي ولما أحست بالغرق سلمتها إلى بعد أن رفعتها إلى الأعلى ، ترقرقت الدموع في عينيها وهي تلاحقها بنظرات مودعة ، تعلقت الصغيرة برقبتي بكل ماتملك من قوة ولكن خارت قواها . على مقربة كان الأولاد متعلقين بلوح من الخشب والأمواج العاتية ترفعهم عاليا ثم تسقطهم في لجة البحر الهائج والقارب يتمايل يمنة ويسرة ، الخطر يحدق بالجميع والظلمة تعم المكان.

-          ياأبي ، دخيلك مابدنا نموت... ياأبي لاتتركنا لحالنا ، نحن مابنعرف نسبح ، كانت صرخات أطفالي تشق عنان السماء فقد بلغت القلوب الحناجر وزاغت الأبصار.
طفقت أبحث عن صغيرتي بجنون وأنا أصرخ ، يابحر...  كيف طاوعك قلبك على ابتلاع فلذة كبدي، تراءت لي صورة أمي وهي تطبع قبلة فوق جبيني ودموعها تبلل وجهي بعد أن داهمتني نوبة ربو. حاولت الوصول إليها والتعلق بيديها ولكنها كانت تبتعد حتى بدت كنقطة صغيرة في الأفق البعيد، خلف البحور البعيدة وتحت جنح الليل كانت أجساد هزيلة تتهيأ لمغادرة الجزيرة خلف موانئ الشتات وهي تمخر عباب المجهول ومجموعة نوارس تنقر أجسادا طافية.


السويد – 28 / 6 / 2016









Read more ...

السبت، 1 أبريل، 2017

أحلام مؤجلة – محمد الفاضل



وسط المروج الخضراء وحقول سنابل القمح الذهبية ، وتحت ظلال أشجار اللوز والزيتون ، في تلك القرية الحالمة على كتف رابية ساحرة والتي شهدت قصة حب جارف بين حسناء وقاسم ، تكللت بالزواج الذي جمع بين قلبيهما ، ثم من الله عليهم بطفل جميل ،عمت الفرحة أرجاء البيت ومع مرور الأعوام أضحت حسناء أكثر تعلقاً به ، أصبح أحمد الشمعة التي تنير دياجير عمرها  ولم تألوا جهداً في تربيته وتلبية طلباته. في ذلك اليوم المشؤؤم فقدت الأم توأم روحها وسندها الوحيد في حادث سيارة ، حيث شكلت تلك الواقعة منعطفاً هاماً  في حياتها.
 كانت حسناء محط أنظار رجال القرية قبل زواجها والجميع يخطب ودها ، ولكن قلبها اختار قاسم . مع مرور الأيام أحست الأم بعبء المسؤولية وبدأت الهموم تثقل كاهلها  وأعباء الحياة تضغط على أنفاسها . رفضت كل عروض الزواج بعيد فقد زوجها ، وانكبت على تربية أحمد الذي أصبح محور حياتها وزهرة في حديقة قلبها . كانت تجد لذة في شم عطره العالق في ملابسه حين تغسلها ، ولطالما قربتها من أنفها حتى تمتلئ رئتيها بأنفاسه  .

لم تجد بداً من الخدمة في البيوت في سبيل تأمين لقمة العيش لولدها ، ومع غلاء الأسعار قررت أن تشتري  ماكينة خياطة وكانت تواصل الليل مع النهار وهي تعمل بدون كلل ، كبر أحمد وبدأ يرتاد الجامعة في المدينة التي تبعد ساعتين عن القرية . في ذلك المساء انتابتها نوبة سعال حادة وكم تمنت وجود أحمد بقربها ليخفف عنها ويمسح على جبينها .
 قررت أن تخف الأمر عنه وهي تقنع نفسها بأنه مجرد عارض وسعال سرعان مايزول . تخرج أحمد وبدأ يعمل في شركة مرموقة في المدينة وأصبح يتغيب معظم الوقت بحجة انشغاله ، شعور الوحدة كان يقتلها شيئاً فشيئاً ، مثل السم عندما يتسرب في الجسم فيصبح سقيماً . بدأت نوبات السعال تتكرر وفي أحد المرات بصقت دماً . قرر أحمد أن ينتقل للعيش في المدينة ولم يجد صعوبة في اختلاق الحجج . وافقت الأم على مضض والألم يعتصر قلبها ، حتى أنه لم يلحظ هزالها الشديد وعينيهاا الغائرتين من شدة السهر وهي تعمل فوق ماكينة الخياطة .

في ذلك المساء البارد ، كانت حسناء في شوق عارم لضم ولدها الوحيد ، احتضنت الوسادة وهي تتأمل صورته عندما كان صغيراً ، قربتها من صدرها وهي تسعل دماً ، سافرت مع غيمة بيضاء نحو الأفق البعيد . لتمطر فوق الحقول في مكان بعيد . بعد مرور عدة أيام زار أحمد والدته بعد أن أحس بوخز الضمير ، دلف إلى الغرفة مسرعاً وقد كانت ممسكة بصورته وقد أبيضت بشرتها ولم تبد حراكاً .


السويد 17 / 7 / 2016





Read more ...

السبت، 11 مارس، 2017

في ذلك المساء – محمد الفاضل



بدأت السماء تندف غيمات قطن ناصعة البياض وارتدت الأرض حلتها البيضاء ، تعرت الأشجار وخلعت رداءها الأخضر ، سقطت أوراقها اليانعة بعيد أن تلاعبت بها الريح فطوحت بها بعيدأ ، الأغصان عارية ومثقلة بالثلوج ، تجمدت الجداول والغدران وأصبح سطحها شفافاَ مع هبوب ريح باردة تخترق العظام عميقاً ، تحيل الجسم إلى قالب من الجليد ، سكنت الحيوانات ورقدت في جحورها ، حتى الطيور لزمت أعشاشها . دخان الحطب المشتعل في المداخن برائحته الأخاذة يضفي جواً رومانسياً على القرية الجبلية في أقصى الشمال ، الكون يلفه سكون رهيب ، الطرقات المؤدية ألى القرية يصعب الوصول إليها .

في ذلك المنزل الكائن في طرف القرية المحاذي لربوة مرتفعة ، يعيش رجل خمسيني ، ذو ملامح حادة ونظرات ثاقبة تدل على سطوة صاحبها ، فارع الطول ، وجه مستدير وأنف حاد ، صاحب حضور مهيب . كل أهالي القرية يخشى سطوته ولايجرؤون على الاقتراب من منزله الذي نسجت عنه حكايات مرعبة وقصص يشيب لها الولدان .في الهزيع الأول من الليل  يسمع الأهالي صرخات تشق عنان السماء ، البعض يتهمه بالجنون والبعض الاَخر بممارسة السحر والشعوذة ، سرت إشاعة في القرية مفادها أنه في ليلة عاصفة انتابته نوبة جنون عارمة  فأقدم على قتل زوجته وابنته الوحيدة ودفنهما في حديقة المنزل ، وهذا ما يفسر عويله كل مساء .

توقفت سيارة على مقربة من المنزل وبقيت مصابيحها مضاءة ، بعد هنيهة ترجل منها شاب في مقتبل العشرين مع فتاة في مثل عمره ، حاول الشاب أن يدير محرك السيارة مراراً ولكن لم يفلح ، جال ببصره في أنحاء المكان فلفت انتباهه ضوء خافت منبعث من المنزل ، قرر أن يستطلع المكان ، اقترب من المدخل  ولشدة دهشته وجد الباب موارباً ، من العدم... انتصب أمامهما رجل فارع الطول ، بارد الملامح ، وجهه مثل تمثال الشمع لاحياة فيه وذو صوت عميق  . ارتعدت أوصال الشاب والفتاة وجمد الدم في عروقهما  وهو يدنو منهما ، ابتلعا ريقهما بصعوبة ، ولم تمض سوى دقائق معدودة ، حتى علا  صراخ تردد صداه في أنحاء القرية .

صباح اليوم التالي حضرت الشرطة مع مختار القرية وبعض الوجهاء ، عندما رأى أحدهم أضواء السيارة ليلة أمس ، دلف الجميع إلى المنزل بعد أن لمحوا السيارة المتوقفة أمامه ، على مرأى من الجميع كان الشاب فاغراً فاهه وقد فارق الحياة وبجانبه فتاة بلا حراك ، عيناهما تشخصان إلى سقف الغرفة .
- من يسكن في هذا المنزل ؟ ، سأل المحقق المختار .
- لا أحد يا سيدي ، المنزل مهجور منذ سنوات ، مات صاحبه مع عائلته في حادث سيارة رهيب منذ عشر سنوات ! ، أردف المختار .

السويد – 30/ 6 / 2016
 









Read more ...

الاثنين، 27 فبراير، 2017

مجرد سوء تفاهم – محمد الفاضل


جلس غسان في المقهى وهو يحتسي كوباً من الشاي في ذلك الحي الشعبي الذي يقطنه منذ نعومة أظفاره حيث تعود أن يمكث بعيد صلاة المغرب مع مجموعة من زملائه في العمل ، يحتسون الشاي ويلعبون الدومينو والبعض يدخن الشيشة بعيداً عن أعباء العمل ومشاغل البيت ويتبادلون أخبار العمل ويستمعون إلى اَخر نكتة يرويها سامي ، حيث اشتهر بخفة دمه وسرعة بديهيته وقدرته على انتزاع ضحكات المستمع بغض النظر عن حالته النفسية . غسان يعمل كموظف أرشيف في مصلحة النقل ، شاب يناهز الثلاثين من عمره ، مستدير الوجه ، واسع العينين يغلب عليه الخجل ، وخصوصاً عندما يتعرض لموقف محرج حيث تراه يحمر خجلاً ويتحول إلى حبة طماطم حتى أن نظراته تصبح كمن يبحث عن شئ أضاعه . يكره الخوض في المواضيع السياسية ويؤثر السلامة وعلى رأي جدته " يمشي الحيط ، الحيط " ولايتدخل بشؤون أحد ، ولكن بالمقابل على درجة عالية من الثقافة ويؤمن بمبدأ الحوار .

خرج من المسجد بعيد صلاة المغرب كعادته ويمم وجهه شطر المقهى كما يفعل كل يوم ، وقد ألفه صاحب المقهى لذا حالما يجلس ويعتدل في كرسيه تأتيه طلباته ، في ذلك اليوم الذي صادف عيد الثورة علقت الأعلام واللوحات التي تمجد المسيرة مع صور الحاكم حيث توزعت على كل زوايا الحي وقد كان لغسان دور في خط لافتة جميلة حرص أن ينجزها بإتقان . وبينما كان ينتظر وصول بقيىة الشلة ، كما يحب أن يسميهم أثار فضوله نقاش محتدم بين مجموعة من الزبائن ، وسرعان ماتعالت الأصوات وارتفعت القبضات ، وتطور الأمر إلى استخدام الكراسي ، لم يمض وقت طويل حتى وصلت سيارات الشرطة وتم اقتيادهم إلى المخفر وبضمنهم غسان ،

لحظة وصولهم إلى المخفر ، تم القبض على مجموعة من الشباب الذي عرف غسان لاحقاً أنهم ينتمون لتيار معارض للحكومة ، الضابط المناوب ليلتها كان حاد المزاج ولم يكلف نفسه بالاستماع لدفاع غسان وأدخلوا إلى الزنازين جميعاً .

- ولكن يا سيدي أنا لم أفعل شيئاً غير قانوني ، أنا كنت جالس ........
- اخرس ، حيوان .. من سمح لك بالكلام ؟ تريدون إسقاط الحكم ! خونة .
- يا سيدي ، أتوسل إليك هناك لبس وسوء تفاهم ... بالعكس أنا مع الحكومة وقد قمت بخط لافتة .......
- كذاب ، اعترف قبل أن أجعل هذا السوط يتذوق طعم جلدك المسلوخ .

كاد غسان أن يغيب عن الوعي من الخوف وقد اصطكت أسنانه وشعر بأنه مثل الخرقة ،  بدأ يتأتأ عند رؤية أدوات التعذيب ، تقدم نحوه شخص ضخم البنية ، مفتول العضلات ، عريض المنكبين وذو ملامح قاسية وأنف أفطس وشرع يجلده بوحشية ، انغرز السوط عميقاً في اللحم ناثراً خيطاً من الدم مع صراخ يقطع القلوب ، ولكن الوحش لم يتوقف ، بل بدا وكأنه يستمتع بعمله ،

- أحضروا أسلاك الكهرباء !! سنري هذا المتاَمر
امتقع وجه غسان ونشف ريقه ولم يعد يقوى على الصمود فأغمي عليه .
- رشوه بالماء ، لانريده أن ينام !! الحفلة لم تبدأ بعد .

لم يقو على النهوض ، تقرحت قدماه من شدة التعذيب وبدأت تنزف ، عيون زائغة تغطيها الكدمات والهالات الزرقاء والبنية الداكنة وكأنه خاض مباراة ملاكمة ، أما ظهره فكان يشبه خريطة طمست معالمها واَثار الجلد جلية ، حتى أن أحد أظافره اقتلع من مكانه في لحظة سادية ، شعر فيها الجلاد بتفوقه فبدأ يمارس عقد نقصه .

صباح اليوم التالي ، فتح باب الزنزانة واقتيد غسان إلى غرفة الضابط ، غرفة أنيقة مفروشة بسجادة بنية وستائر معتمة ومكتب أنيق وكراسي جلد وثيرة , خلف المكتب يجلس شاب طويل تخفي وجهه نظارات شمسية ، يرتدي بدلة أنيقة ، كان ممسكاً بسيجار وعند روية غسان شرع ينفث الدخان في وجهه بغية استفزازه ,

- اسمع يا حيوان ! لقد اكتشفنا أنك لست الشخص المطلوب ، هناك سوء تفاهم ، بإمكانك أن تخرج ، ولكن أياك أن تنبس ببنت شفة ، ماحصل هنا في هذا الشهر تنساه  ، أنت لم تكن هنا ، مفهموم !


السويد – 29 / 6 / 2016




Read more ...

الثلاثاء، 21 فبراير، 2017

حذاء العيد – محمد الفاضل



  

سكن الليل وهدأت الحركة في الخارج ، اطفئت معظم القناديل ومد الظلام ذوائبه فوق القرية ، توارى القمر خلف غيوم رمادية ، بدأت الريح تصفر وتزمجر وتتلاعب بباب الغرفة الخشبي القديم محدثا جلبة يصبح معها النوم مجرد أمنية لن تتحقق ، حاول خالد أن يخلد إلى النوم ولكن لم يفلح البتة ، بدأ يحدق في الفراغ بعينيه الحمراوتين اللتين أرهقهما السهاد ، كانتا تبدوان مثل جمرتين متقدتين تشعان في الظلام.
أسند ظهره إلى الحائط محاولاً  استرجاع المواقف بينه وبين ولده علي ،  حيث يتحول الحوار في معظمها إلى شجار وينتهي بانسحاب ولده وخذلانه،

في ذلك المساء العاصف بدا خالد شارد الذهن ، وقد أنهكه عمق التفكير والندم ، وبدأ يقضم أظافر يديه بتوتر وكأنه يريد أن يقتلعهما ليكفر عن قسوته ، علّ ولده الوحيد يسامحه .
- يبدو أني قسوت عليه كثيراً , غداً في الصباح سأعوضه بهدية وأفاجئه بها ، سوف أشتري له الحذاء الذي رأيناه بالأمس ، لقد سال لعابه ، وألح علي بشرائه ، ولكني نهرته ، كان ينظر له ويتأمله كمن يرى قطعة حلوى شهية . ثم ماجدوى أن تمتلك طائراً جميلاً وتحبسه في قفص ؟ يجب أن أدعه يجرب التحليق بجناحيه ، برغم وجود الصقور والغربان . مازلت أذكر ذلك الطائر الذي حبسته في قفص ، كان تغريده حزيناً ،  رفض الأكل ومات في الأسر كمداً .

وما أن طلعت الشمس ونشرت أشعتها الذهبية فوق بيوت القرية النائمة في أحضان الطبيعة ، حتى كان خالد يحث الخطا نحو محل أبي أحمد لشراء الحذاء ، كان يبدو سعيدأ على غير عادته ، يحدث تفسه ويتخيل فرحة علي بشراء الحذاء .
وفي طريق عودته كان يسابق الريح والفرحة تكاد تقفز من عينيه الدامعتين ، استحوذت عليه نوبة بكاء شديدة من الفرح ، بدأ قلبه يخفق بشدة وكأنه سوف يهرب من صدره ويسقط ، شرع يجري كالمجنون .

اختفت أنفاس الحقول الندية وشذا عطر الأقحوان وتحولت إلى أرض يباب ، سحب الدخان تملأ المكان والمنزل سوي بالأرض ، قفز كالملسوع وهو يبحث بين الركام عن علي ، أخيرأ أخبره جاره بأن علي اصابته بليغة وقد تم اسعافه إلى مستشفى المدينة ، تبرع جاره بأن يوصله إلى المستشفى

عند وصوله ، شاهد علي يرقد في السرير وقد بدا شاحب الوجه ، متعب والعرق يتصبب من جبينه ، ومع ذلك   تكسو ملامحه علامات الإصرار والتحدي، انحنى خالد فوق سريره وشرع يقبل يديه ووجنتيه وقد سالت دموعه الحارة فكانت مثل قطرات المطر عندما تنهمر فوق أرض مجدبة فتحيلها إلى مروج خضراء .

- الحمد لله على سلامتك يا ولدي الحبيب . أنظر ماذا أحضرت لك ، سوف تلبسه في العيد وتخرج مع أصحابك.
بدا علي حزينا عند رؤية الحذاء ، حاول أن يتماسك ولكن نجحت دمعة بالافلات من عينيه البريئتين مثل عصفور فر من القفص ، طار صواب خالد  وقد بدأ القلق ينهش قلبه ، وفي عينيه سؤال لم يجد له إجابة . اندفع يحتضن ولده ويضمه إلى صدره بحرارة وقد اختنق بالنشيج ، أزاح غطاء السرير لمساعدته في لبس الحذاء ، يا الله .. يا الله ، لقد بترت ساق علي بسبب القنابل العنقودية .

السويد – 26 / 6 / 2016













Read more ...

الاثنين، 20 فبراير، 2017

يوم ماطر – محمد الفاضل







بدأت قطرات المطر تتساقط تباعاً وهي تعانق أسطح المنازل والشوارع لتمتزج مع التراب مكونة تلك الرائحة المضمخة بأجمل العطور والتي يفهم سرها العشاق فتجعل صباحاتهم ندية بعبق اَخاذ ، حتى العصافير تصطف فوق أسلاك أعمدة الكهرباء والأشجار وهي تنفض ريشها بجذل ، الكون برمته يصيخ السمع لتلك السمفونية التي تأخذك إلى عالم اَخر فتسافر روحك وتحلق مع زخات المطر وأغنية فيروز تصدح في الباص وهي تردد   ( شو بعدن ناطر ، عالمفرق ناطر ... ) .

جلس في المقعد المجاور للنافذة وهو يتأمل قطرات المطر ترسم أشكالاً متعرجة على النافذة ، كانت عيناه ترقبان المشهد مثل ناقد يتأمل لوحة في معرض ، أشعل سيجارته وشرع ينفث سحب الدخان وهو يرقبها تتلاشى في الهواء ، السجائر لها طعم خاص مع طقوس المطر ولاينقصها سوى فنجان قهوة صباحي مع زهرة ياسمين.

ترجل من الباص مسرعاً على غير عادته وبدا يلفح وجهه رذاذ المطر فيمنحه شعوراً لايوصف ، كانت تقف بعيداً مع زميلاتها في الجامعة وهي تحمل مظلتها الأنيقة منتظرة بدء المحاضرة الأولى ، بدا مرتبكاً وهو يمر بجانبها ، مررت يدها في خصلات شعرها الذهبي وهو يتدلى على كتفيها بحركة أنثوية جعلته يترنح في مشيته وكاد أن يتزحلق ، ألتقت العيون فتسمر في مكانه وبدأ قلبه يخفق بإيقاع مضطرب ووجد صعوبة بالغة في التنفس ، كان زميله يرقب المشهد عن بعد .

- لقد كانت تنظر إليك ، لماذا أنت متردد ؟ لماذا لا تفاتحها بحبك ؟ الحب يعطيك أجنحة فتقتحم المستحيل وتذلل كل الصعاب .
- لا أستطيع يا صديقي ، الأمر ليس سهلاً كما تظن ، أنا تنقصني الشجاعة . سوف أتلعثم وأذوب خجلاً .
- الأمر ليس بهذه الصعوبة ، يجب أن تحزم أمرك ، لماذا لا تهديها زهرة جميلة مثل فرسان العصر الرومانسي ؟ جرب ، ليس لديك ما تخسره !

في ذلك المساء لم يستطع أن يغمض له جفن وبدأت أحلام اليقظة تداعب خياله المتيم ، في ذلك الحلم الجميل كانا يجلسان في الكافتيريا يحتسيان قهوة الصباح مع أجواء المطر المحببة وأغنية فيروز تنساب بعذوبة .

صباح ذلك اليوم الجميل كان يقبض بيده على زهرة ندية وهو يقف مترددأ منتظراً قدومها ، طلب فنجان قهوة وجلس يتأمل الأبخرة المتصاعدة ، مرت عقارب الساعة بتثاقل ثم مالبثت أن  دلفت إلى الكافيتيريا وسحبت كرسياً وجلست عند الطاولة المجاورة ، بدأت ترتشف فنجان قهوتها الصباحي ، كان يحسد فنجان القهوة وهي تمسكه بأناملها الرقيقة المتناسقة ، فجأة لمح بريق  خاتم أنيق في يدها اليمنى ، حاول أن يخفي ارتباكه و تسارعت دقات قلبه حتى خيل إليه أنها تسمعها بوضوح . وماهي إلا لحظات حتى دنا منها شاب أنيق يبدو عليه الثراء ، ثم مالبثت أن غادرت المكان وهي تشبك يدها بيده ،  تاركة إياه في حالة وجوم وذهول .

السويد – 28 / 6 / 2016


Read more ...

الأحد، 19 فبراير، 2017

حلم على قارعة الطريق – محمد الفاضل




بدأت الريح تعوي في الخارج مثل نائحة ثكلى ناشبة أظافرها في صفيح سقوف المنازل والأشجار مقتلعة في طريقها الأغصان مطوحة بها بعيدا ، توارى القمر خلف غلالة رقيقة تلف الكون ، سكن الليل وخيم الظلام فوق المدينة وبدأت المصابيح تتثائب خلف الستائر حيث أوى الجميع إلى فراشهم ، مشهد أغصان الأشجار  يشبه عجوزا ساحرة تمد مخالبها الطويلة لترسم لوحات مبهمة فوق زجاج النوافذ ، صوت احتكاك الأغصان بالنوافذ يبعث على الخوف والمشهد برمته ينذر بحدوث كارثة .

عقارب الساعة اقتربت من الثانية عشرة ليلاً ، خلف تلك الستائر المهترئة الكالحة ، في ذلك المنزل المتهالك تكور سعيد تحت اللحاف وقد تسلل البرد عميقاً داخل عظامه ، لم يغمض له جفن ، سرح بخياله بعيداً وقد تملكه قلق بالغ .

عمت الفرحة أرجاء البيت وحلق طائر السعد ناثراً وعوداً جميلة وأماني وردية بعد تخرج سعيد من كلية التجارة بتفوق ، وفي صباح  الغد سوف يجد السير نحو أحد مكاتب الوزارة ليتقدم للوظيفة المعلن عنها في الجريدة الرسمية . الأم قائمة في جوف الليل تتضرع  فوق سجادة الصلاة رافعة أكف الضراعة ولسانها يلهج بدعاء رقيق والعبرات تخنقها ، سوف تنتهي أيام الشقاء قريباً بعد أن يحصل سعيد على الوظيفة التي طالما حلم بها . ندت عنها  تنهيدة حارة عندما استرجعت تلك الأيام بمرارتها بعد أن مرت العائلة بضائقة مالية وذلك لتأمين المصاريف الدراسية لسعيد .

على مقربة من فراش سعيد كان أحمد يرقد  متظاهراً بالنوم وقد انفرجت أساريره عن ابتسامة حالمة وبدأ يحلق فوق السحاب وهو يتخيل نفسه مرتدياً الحذاء الجديد والحقيبة المدرسية التي وعد بشرائها سعيد .

- هل سوف تشتري لي الحذاء والحقيبة حقاً ، ياأخي ؟  سأل أحمد .
- بالتأكيد ، يا أحمد ... حالما أقبض أول مرتب ، كما وعدتك ، والآن دعنا نأخذ قسطا من الراحة ، غدا سوف يكون يوما حافلا ويجب أن أكون بكامل نشاطي .

في ذلك الصباح البارد نهض سعيد مبكراً ، يحدوه الأمل بغد أفضل وقد خالطت روحه فرحة عارمة ، ارتدى بدلة والده المتوفى ، مزهواً بعد أن أدخلت عليها والدته بعض التعديلات كي تناسب مقاسه ،ولم ينس أن يصطحب معه شهادة التخرج وقد حرص على وضعها بداخل ملف ، ستكون تذكرته للمستقبل وسوف تنتشله من فقره المدقع ، تزاحمت كل تلك الصور في مخيلته وهو يستقل الباص في طريقه إلى مقر المكتب .

تسارعت دقات قلبه وهو يرتقي السلالم إلى الطابق الخامس ، انقطعت أنفاسه وبدأ يلهث من فرط التعب ، دلف إلى المكتب ولشد ما استرعى انتباهه عدد المتقدمين إلى الوظيفة ، أحد المتقدمين كان يبدو عليه أثر النعمة واضحاً وقد وقف معتداً بنفسه غير عابئ بنظرات الآخرين وهو يرمقهم بازدراء  ، .وماهي سوى دقائق حتى خرج السكرتير معلناً عن فوز أحد المرشحين بالوظيفة . تقدم ذلك الشاب الأنيق ولكن السكرتير أومأ له برأسه أنه ليس الشخص المرشح ،

- لقد حصلت على الوظيفة ! هل يعقل ذلك ؟

شعر سعيد بفرح غامر يجتاح كل جوارحه ، كان يطير فوق السلالم وهو يغادر المكتب وقلبه يرقص طرباً ، وبينما كان يهم بعبور الشارع ، سُمع زعيق فرامل تردد صداه في أرجاء الشارع ، سيارة منطلقة بسرعة جنونية ،  تطايرت الأوراق التي كانت بحوزته في الهواء ، رقد جثة هامدة دون حراك .

السويد
  3 / 8 / 2016










Read more ...

الخميس، 9 فبراير، 2017

أحن إلى لمسة أمي – محمد الفاضل






مازال ذلك الطفل يسكن روحي

ويذكر عيونها الباكية

تهدهد أوجاعي وأسقامي

بعطر أنفاسها الزاكية

تمسح دموعا هملت

بأهداب عينها الحانية

ليت عندي خيوطا من كفنك الطاهر

لأغزل منها ثوبا يدفئ برودة عظامي في شتاء الغربة القاسية

وطيب حنوطك أذره فوق جسدي إذا مامت يوما

وفارقت دنيا فانية

وحبات من طهر تراب قبرك ، أنثرها

فيزهر الياسمين في حديقة قلبي الخاوية
Read more ...

الأحد، 29 يناير، 2017

ملائكة معرة مصرين – محمد الفاضل




لاتملك أمام هذا النهر المتدفق من العطاء والتضحية سوى أن ترفع له القبعة و تعجب به ، بعد أن يأسرك بطيبته ودماثة خلقه ، وجه مشرق ينم عن عزيمة لاتفتر ويشف عن قلب قلما تصادفه في محطات حياتك ، يفيض بالمحبة والشهامة . خلف بريق عينيه تتلألأ دموع تزاحمت ، ترفض أن تنحدر على وجنتيه ، لتبقى تلك الأيقونة مشرقة ، ماثلة في ذهن كل من قابله ، حتى أضحى حديث أهالي معرة مصرين ، تتجسد فيه كل معاني البطولة والفروسية التي باتت حبيسة طيات كتب التاريخ .

يقضي سحابة نهاره وهو يحمل الجرحى بحنو أبوي إلى داخل أروقة المستشفى بصبر وجلد عجيب ! بدت غواية فكرة اختلاس قسط من النوم والراحة مجرد أمنية وترف لن تتحقق في خضم تلك الظروف العصيبة ، بدأ جسده يتهاوى رويدا رويدا تحت وقع ضربات مطرقة التعب ، تسلل الوهن إلى داخله ، وستائر الكرى ما فتئت تنسدل و تداعب جفونه التي جاهدت أن تبقى مشرعة.
شعور غريب تملكه واستحوذ عليه ، لم يفلح في طرد شبح الوساوس يومها ، وماهي سوى لحظات حتى تطايرت إحدى نوافذ المستشفى على إثر غارة جوية ، قرر فيها الطيار إلقاء حمولته لتستقر بالقرب من المستشفى التي يعمل فيها مازن . بدأت الأصوات تتعالى مع وصول أول طفل مصاب ، حمله وهو يتمتم بعاطفة جياشة ، ماذنب هذا الطفل ؟ وضعه فوق السرير بنظرات زائغة ولم يتبين قسمات وجهه ، علق المحلول الوريدي وحقن الإبرة في ساعده الصغير محاولا كبح جماح دموعه .

- أسرع يامازن ! هناك مصاب حالته خطيرة ! أترك كل شيئ ، رنت كلمات الطبيب في أذنيه .
كانت أرجل الطفل مقطوعة والدماء تنزف بغزارة ورأسه مهشم ! لم يدر كيف واتته شجاعة منقطعة النظير فحمله ووضعه بداخل كيس ! مجرد أشلاء آدمية ! وبدأ يتخيل مشاعر والدي الطفل !
وبينما هو متسمر في حالة ذهول ، نما إلى علمه أن أولاده الثلاثة استشهدوا على إثر الغارة الجوية !
نزل عليه الخبر كالصاعقة وهو غير مصدق ، جاهد ليتنفس وأحس بأن روحه قد غادرته إلى غير رجعة ، تبلدت مشاعره وأحس بمشاعر الفقد واليتم ، صور وذكريات أطفاله تحاصره ، تذكر ضحكاتهم التي كانت تملأ أرجاء المنزل فتحيله إلى حديقة غناء ورائحتهم المحببة العالقة في زوايا الغرفة ،وموسيقى وقع خطواتهم التي تنعش القلب !
- ولكن أين أجسادهم ؟ ومتى ، وكيف ؟ بدا خائر القوى ومغيبا عن الوعي وهو يهذي بكلمات مبهمة .

- هل تذكر الطفل الأول والذي حملته بين ذراعيك ثم وضعت له المحلول الوريدي و فارق الحياة ؟ لقد كان هذا ولدك عبدو ! وأشلاء الطفل الذي وضعته في داخل الكيس ، لقد كان هذا ولدك الثاني ! أردف صديقه.
بدأت دموعه تنهمر مثل شلال ، افقده الخبر النطق ولم يعد يقوى على الحركة ، تفجرت في زوايا روحه المحطمة براكين من الشجن والألم ، ثم بدأ ينتحب والدموع قد خضبت لحيته بعيد أن أطلق العنان لمشاعره الحبيسة .
شرع يجر رجليه وقد أثقلته الهموم وجاش صدره بانفعالات غريبة ، محاولا استيعاب ماحدث ، وكلما تذكر المشهد غرق في لجة أحزانه ، قادته قدماه إلى ساحة المستشفى وكاد أن يخطو فوق جثة طفلة مسجاة . تفرس فيها مليا ليكتشف أنها ابنته !


Read more ...

الأحد، 20 نوفمبر، 2016

كُتَّاب بطعم أحمر الشفاه ونعومة الشيفون – محمد الفاضل



عندما يعمد الطبيب الجراح إلى اجراء عملية جراحية خطيرة ، قد تكتنفها مضاعفات لاتحمد عقباها ، فأنه لايجد مندوحة من اللجوء إلى تخدير المريض ، بغية النخفيف من آلامه المبرحة والمحافظة على حياته ، ومن المعروف أن المريض عندما يستفيق من البنج ، يبدأ بالثرثرة بكلام مبهم وقد يفرغ مابجعبته من أسرار بدون وعي .

وقبل أن أضع القفازات المعقمة والكمامة ، واستخدم مبضع الجراح ، أود التنويه بأني سوف أقوم بإجراء العميلة بدون تخدير ، مع حرصي على استخدام المضاد الحيوي وتعقيم جميع الأدوات لتجنب تلوث الجرح والإلتهابات لأن مايهمني هو المحافظة على حياة الكاتب !! عفوأ أقصد المريض ، وقد ألجأ إلى الصدمة الكهربائية لتنشيط القلب الحنون ، المولع بأحمر الشفاه وملابس الشيفون الصارخة بالأنوثة !!
وقبل أن أسترسل بالكتابة ، أود أن أعترف بأني لست ضد أحمر الشفاه ، ولعلي لاأحمل ضغينة ضد الشيفون ، كي لاأتهم بالتطرف والإرهاب وخنق الحريات ، وقائمة الإتهامات تطول .

عزيزي الكاتب الغارق في الرومانسية حتى أذنيه !!! من حقك أن تكتب عن جمال المرأة ، وسحرها الطاغ وتطنب في وصفها ، بل وعطرها الذي يذهب بالعقول ، وتتغزل بجمال العيون وتنشر الصور المثيرة ، ولكن هل بتنا نعيش في فقاعة ،أم أن مايجري من إبادة للجنس البشري يحصل في كوكب آخر ؟
هل بتنا نعيش في حالة انفصام ولانرتبط بالواقع الكارثي والذي نعيش فصوله كل يوم ؟ ألا يتسحق هؤلاء الأطفال الأبرياء أن نجرد أقلامنا لرثائهم والترحم على أرواحهم، وتسليط القليل من الضوء على معاناة شعب يذبح بسكين مسمومة ؟مافائدة تلك الأقلام إذا كان أصحابها منفصلون عن واقعهم ويعيشون قصص رومانسية بطعم أحمر الشفاه ونعومة الشيفون !!
هل هؤلاء مجرد أرقام يعلن عنها في وسائل الإعلام دون أن يرف لنا جفن ؟ ألا يستحقون القليل من وقتك الثمين ، أم أنهم لا بواك لهم ، هل عز علينا أن نرثيهم ولو بكلمة عزاء ؟ وهل سادت ثقافة الشيفون والساتان كي ندفع عن أنفسنا تهمة الإرهاب؟







Read more ...