الاثنين، 20 فبراير، 2017

يوم ماطر – محمد الفاضل







بدأت قطرات المطر تتساقط تباعاً وهي تعانق أسطح المنازل والشوارع لتمتزج مع التراب مكونة تلك الرائحة المضمخة بأجمل العطور والتي يفهم سرها العشاق فتجعل صباحاتهم ندية بعبق اَخاذ ، حتى العصافير تصطف فوق أسلاك أعمدة الكهرباء والأشجار وهي تنفض ريشها بجذل ، الكون برمته يصيخ السمع لتلك السمفونية التي تأخذك إلى عالم اَخر فتسافر روحك وتحلق مع زخات المطر وأغنية فيروز تصدح في الباص وهي تردد   ( شو بعدن ناطر ، عالمفرق ناطر ... ) .

جلس في المقعد المجاور للنافذة وهو يتأمل قطرات المطر ترسم أشكالاً متعرجة على النافذة ، كانت عيناه ترقبان المشهد مثل ناقد يتأمل لوحة في معرض ، أشعل سيجارته وشرع ينفث سحب الدخان وهو يرقبها تتلاشى في الهواء ، السجائر لها طعم خاص مع طقوس المطر ولاينقصها سوى فنجان قهوة صباحي مع زهرة ياسمين.

ترجل من الباص مسرعاً على غير عادته وبدا يلفح وجهه رذاذ المطر فيمنحه شعوراً لايوصف ، كانت تقف بعيداً مع زميلاتها في الجامعة وهي تحمل مظلتها الأنيقة منتظرة بدء المحاضرة الأولى ، بدا مرتبكاً وهو يمر بجانبها ، مررت يدها في خصلات شعرها الذهبي وهو يتدلى على كتفيها بحركة أنثوية جعلته يترنح في مشيته وكاد أن يتزحلق ، ألتقت العيون فتسمر في مكانه وبدأ قلبه يخفق بإيقاع مضطرب ووجد صعوبة بالغة في التنفس ، كان زميله يرقب المشهد عن بعد .

- لقد كانت تنظر إليك ، لماذا أنت متردد ؟ لماذا لا تفاتحها بحبك ؟ الحب يعطيك أجنحة فتقتحم المستحيل وتذلل كل الصعاب .
- لا أستطيع يا صديقي ، الأمر ليس سهلاً كما تظن ، أنا تنقصني الشجاعة . سوف أتلعثم وأذوب خجلاً .
- الأمر ليس بهذه الصعوبة ، يجب أن تحزم أمرك ، لماذا لا تهديها زهرة جميلة مثل فرسان العصر الرومانسي ؟ جرب ، ليس لديك ما تخسره !

في ذلك المساء لم يستطع أن يغمض له جفن وبدأت أحلام اليقظة تداعب خياله المتيم ، في ذلك الحلم الجميل كانا يجلسان في الكافتيريا يحتسيان قهوة الصباح مع أجواء المطر المحببة وأغنية فيروز تنساب بعذوبة .

صباح ذلك اليوم الجميل كان يقبض بيده على زهرة ندية وهو يقف مترددأ منتظراً قدومها ، طلب فنجان قهوة وجلس يتأمل الأبخرة المتصاعدة ، مرت عقارب الساعة بتثاقل ثم مالبثت أن  دلفت إلى الكافيتيريا وسحبت كرسياً وجلست عند الطاولة المجاورة ، بدأت ترتشف فنجان قهوتها الصباحي ، كان يحسد فنجان القهوة وهي تمسكه بأناملها الرقيقة المتناسقة ، فجأة لمح بريق  خاتم أنيق في يدها اليمنى ، حاول أن يخفي ارتباكه و تسارعت دقات قلبه حتى خيل إليه أنها تسمعها بوضوح . وماهي إلا لحظات حتى دنا منها شاب أنيق يبدو عليه الثراء ، ثم مالبثت أن غادرت المكان وهي تشبك يدها بيده ،  تاركة إياه في حالة وجوم وذهول .

السويد – 28 / 6 / 2016


Read more ...

الأحد، 19 فبراير، 2017

حلم على قارعة الطريق – محمد الفاضل




بدأت الريح تعوي في الخارج مثل نائحة ثكلى ناشبة أظافرها في صفيح سقوف المنازل والأشجار مقتلعة في طريقها الأغصان مطوحة بها بعيدا ، توارى القمر خلف غلالة رقيقة تلف الكون ، سكن الليل وخيم الظلام فوق المدينة وبدأت المصابيح تتثائب خلف الستائر حيث أوى الجميع إلى فراشهم ، مشهد أغصان الأشجار  يشبه عجوزا ساحرة تمد مخالبها الطويلة لترسم لوحات مبهمة فوق زجاج النوافذ ، صوت احتكاك الأغصان بالنوافذ يبعث على الخوف والمشهد برمته ينذر بحدوث كارثة .

عقارب الساعة اقتربت من الثانية عشرة ليلاً ، خلف تلك الستائر المهترئة الكالحة ، في ذلك المنزل المتهالك تكور سعيد تحت اللحاف وقد تسلل البرد عميقاً داخل عظامه ، لم يغمض له جفن ، سرح بخياله بعيداً وقد تملكه قلق بالغ .

عمت الفرحة أرجاء البيت وحلق طائر السعد ناثراً وعوداً جميلة وأماني وردية بعد تخرج سعيد من كلية التجارة بتفوق ، وفي صباح  الغد سوف يجد السير نحو أحد مكاتب الوزارة ليتقدم للوظيفة المعلن عنها في الجريدة الرسمية . الأم قائمة في جوف الليل تتضرع  فوق سجادة الصلاة رافعة أكف الضراعة ولسانها يلهج بدعاء رقيق والعبرات تخنقها ، سوف تنتهي أيام الشقاء قريباً بعد أن يحصل سعيد على الوظيفة التي طالما حلم بها . ندت عنها  تنهيدة حارة عندما استرجعت تلك الأيام بمرارتها بعد أن مرت العائلة بضائقة مالية وذلك لتأمين المصاريف الدراسية لسعيد .

على مقربة من فراش سعيد كان أحمد يرقد  متظاهراً بالنوم وقد انفرجت أساريره عن ابتسامة حالمة وبدأ يحلق فوق السحاب وهو يتخيل نفسه مرتدياً الحذاء الجديد والحقيبة المدرسية التي وعد بشرائها سعيد .

- هل سوف تشتري لي الحذاء والحقيبة حقاً ، ياأخي ؟  سأل أحمد .
- بالتأكيد ، يا أحمد ... حالما أقبض أول مرتب ، كما وعدتك ، والآن دعنا نأخذ قسطا من الراحة ، غدا سوف يكون يوما حافلا ويجب أن أكون بكامل نشاطي .

في ذلك الصباح البارد نهض سعيد مبكراً ، يحدوه الأمل بغد أفضل وقد خالطت روحه فرحة عارمة ، ارتدى بدلة والده المتوفى ، مزهواً بعد أن أدخلت عليها والدته بعض التعديلات كي تناسب مقاسه ،ولم ينس أن يصطحب معه شهادة التخرج وقد حرص على وضعها بداخل ملف ، ستكون تذكرته للمستقبل وسوف تنتشله من فقره المدقع ، تزاحمت كل تلك الصور في مخيلته وهو يستقل الباص في طريقه إلى مقر المكتب .

تسارعت دقات قلبه وهو يرتقي السلالم إلى الطابق الخامس ، انقطعت أنفاسه وبدأ يلهث من فرط التعب ، دلف إلى المكتب ولشد ما استرعى انتباهه عدد المتقدمين إلى الوظيفة ، أحد المتقدمين كان يبدو عليه أثر النعمة واضحاً وقد وقف معتداً بنفسه غير عابئ بنظرات الآخرين وهو يرمقهم بازدراء  ، .وماهي سوى دقائق حتى خرج السكرتير معلناً عن فوز أحد المرشحين بالوظيفة . تقدم ذلك الشاب الأنيق ولكن السكرتير أومأ له برأسه أنه ليس الشخص المرشح ،

- لقد حصلت على الوظيفة ! هل يعقل ذلك ؟

شعر سعيد بفرح غامر يجتاح كل جوارحه ، كان يطير فوق السلالم وهو يغادر المكتب وقلبه يرقص طرباً ، وبينما كان يهم بعبور الشارع ، سُمع زعيق فرامل تردد صداه في أرجاء الشارع ، سيارة منطلقة بسرعة جنونية ،  تطايرت الأوراق التي كانت بحوزته في الهواء ، رقد جثة هامدة دون حراك .

السويد
  3 / 8 / 2016










Read more ...

الخميس، 9 فبراير، 2017

أحن إلى لمسة أمي – محمد الفاضل






مازال ذلك الطفل يسكن روحي

ويذكر عيونها الباكية

تهدهد أوجاعي وأسقامي

بعطر أنفاسها الزاكية

تمسح دموعا هملت

بأهداب عينها الحانية

ليت عندي خيوطا من كفنك الطاهر

لأغزل منها ثوبا يدفئ برودة عظامي في شتاء الغربة القاسية

وطيب حنوطك أذره فوق جسدي إذا مامت يوما

وفارقت دنيا فانية

وحبات من طهر تراب قبرك ، أنثرها

فيزهر الياسمين في حديقة قلبي الخاوية
Read more ...

الأحد، 29 يناير، 2017

ملائكة معرة مصرين – محمد الفاضل




لاتملك أمام هذا النهر المتدفق من العطاء والتضحية سوى أن ترفع له القبعة و تعجب به ، بعد أن يأسرك بطيبته ودماثة خلقه ، وجه مشرق ينم عن عزيمة لاتفتر ويشف عن قلب قلما تصادفه في محطات حياتك ، يفيض بالمحبة والشهامة . خلف بريق عينيه تتلألأ دموع تزاحمت ، ترفض أن تنحدر على وجنتيه ، لتبقى تلك الأيقونة مشرقة ، ماثلة في ذهن كل من قابله ، حتى أضحى حديث أهالي معرة مصرين ، تتجسد فيه كل معاني البطولة والفروسية التي باتت حبيسة طيات كتب التاريخ .

يقضي سحابة نهاره وهو يحمل الجرحى بحنو أبوي إلى داخل أروقة المستشفى بصبر وجلد عجيب ! بدت غواية فكرة اختلاس قسط من النوم والراحة مجرد أمنية وترف لن تتحقق في خضم تلك الظروف العصيبة ، بدأ جسده يتهاوى رويدا رويدا تحت وقع ضربات مطرقة التعب ، تسلل الوهن إلى داخله ، وستائر الكرى ما فتئت تنسدل و تداعب جفونه التي جاهدت أن تبقى مشرعة.
شعور غريب تملكه واستحوذ عليه ، لم يفلح في طرد شبح الوساوس يومها ، وماهي سوى لحظات حتى تطايرت إحدى نوافذ المستشفى على إثر غارة جوية ، قرر فيها الطيار إلقاء حمولته لتستقر بالقرب من المستشفى التي يعمل فيها مازن . بدأت الأصوات تتعالى مع وصول أول طفل مصاب ، حمله وهو يتمتم بعاطفة جياشة ، ماذنب هذا الطفل ؟ وضعه فوق السرير بنظرات زائغة ولم يتبين قسمات وجهه ، علق المحلول الوريدي وحقن الإبرة في ساعده الصغير محاولا كبح جماح دموعه .

- أسرع يامازن ! هناك مصاب حالته خطيرة ! أترك كل شيئ ، رنت كلمات الطبيب في أذنيه .
كانت أرجل الطفل مقطوعة والدماء تنزف بغزارة ورأسه مهشم ! لم يدر كيف واتته شجاعة منقطعة النظير فحمله ووضعه بداخل كيس ! مجرد أشلاء آدمية ! وبدأ يتخيل مشاعر والدي الطفل !
وبينما هو متسمر في حالة ذهول ، نما إلى علمه أن أولاده الثلاثة استشهدوا على إثر الغارة الجوية !
نزل عليه الخبر كالصاعقة وهو غير مصدق ، جاهد ليتنفس وأحس بأن روحه قد غادرته إلى غير رجعة ، تبلدت مشاعره وأحس بمشاعر الفقد واليتم ، صور وذكريات أطفاله تحاصره ، تذكر ضحكاتهم التي كانت تملأ أرجاء المنزل فتحيله إلى حديقة غناء ورائحتهم المحببة العالقة في زوايا الغرفة ،وموسيقى وقع خطواتهم التي تنعش القلب !
- ولكن أين أجسادهم ؟ ومتى ، وكيف ؟ بدا خائر القوى ومغيبا عن الوعي وهو يهذي بكلمات مبهمة .

- هل تذكر الطفل الأول والذي حملته بين ذراعيك ثم وضعت له المحلول الوريدي و فارق الحياة ؟ لقد كان هذا ولدك عبدو ! وأشلاء الطفل الذي وضعته في داخل الكيس ، لقد كان هذا ولدك الثاني ! أردف صديقه.
بدأت دموعه تنهمر مثل شلال ، افقده الخبر النطق ولم يعد يقوى على الحركة ، تفجرت في زوايا روحه المحطمة براكين من الشجن والألم ، ثم بدأ ينتحب والدموع قد خضبت لحيته بعيد أن أطلق العنان لمشاعره الحبيسة .
شرع يجر رجليه وقد أثقلته الهموم وجاش صدره بانفعالات غريبة ، محاولا استيعاب ماحدث ، وكلما تذكر المشهد غرق في لجة أحزانه ، قادته قدماه إلى ساحة المستشفى وكاد أن يخطو فوق جثة طفلة مسجاة . تفرس فيها مليا ليكتشف أنها ابنته !


Read more ...

الأحد، 20 نوفمبر، 2016

كُتَّاب بطعم أحمر الشفاه ونعومة الشيفون – محمد الفاضل



عندما يعمد الطبيب الجراح إلى اجراء عملية جراحية خطيرة ، قد تكتنفها مضاعفات لاتحمد عقباها ، فأنه لايجد مندوحة من اللجوء إلى تخدير المريض ، بغية النخفيف من آلامه المبرحة والمحافظة على حياته ، ومن المعروف أن المريض عندما يستفيق من البنج ، يبدأ بالثرثرة بكلام مبهم وقد يفرغ مابجعبته من أسرار بدون وعي .

وقبل أن أضع القفازات المعقمة والكمامة ، واستخدم مبضع الجراح ، أود التنويه بأني سوف أقوم بإجراء العميلة بدون تخدير ، مع حرصي على استخدام المضاد الحيوي وتعقيم جميع الأدوات لتجنب تلوث الجرح والإلتهابات لأن مايهمني هو المحافظة على حياة الكاتب !! عفوأ أقصد المريض ، وقد ألجأ إلى الصدمة الكهربائية لتنشيط القلب الحنون ، المولع بأحمر الشفاه وملابس الشيفون الصارخة بالأنوثة !!
وقبل أن أسترسل بالكتابة ، أود أن أعترف بأني لست ضد أحمر الشفاه ، ولعلي لاأحمل ضغينة ضد الشيفون ، كي لاأتهم بالتطرف والإرهاب وخنق الحريات ، وقائمة الإتهامات تطول .

عزيزي الكاتب الغارق في الرومانسية حتى أذنيه !!! من حقك أن تكتب عن جمال المرأة ، وسحرها الطاغ وتطنب في وصفها ، بل وعطرها الذي يذهب بالعقول ، وتتغزل بجمال العيون وتنشر الصور المثيرة ، ولكن هل بتنا نعيش في فقاعة ،أم أن مايجري من إبادة للجنس البشري يحصل في كوكب آخر ؟
هل بتنا نعيش في حالة انفصام ولانرتبط بالواقع الكارثي والذي نعيش فصوله كل يوم ؟ ألا يتسحق هؤلاء الأطفال الأبرياء أن نجرد أقلامنا لرثائهم والترحم على أرواحهم، وتسليط القليل من الضوء على معاناة شعب يذبح بسكين مسمومة ؟مافائدة تلك الأقلام إذا كان أصحابها منفصلون عن واقعهم ويعيشون قصص رومانسية بطعم أحمر الشفاه ونعومة الشيفون !!
هل هؤلاء مجرد أرقام يعلن عنها في وسائل الإعلام دون أن يرف لنا جفن ؟ ألا يستحقون القليل من وقتك الثمين ، أم أنهم لا بواك لهم ، هل عز علينا أن نرثيهم ولو بكلمة عزاء ؟ وهل سادت ثقافة الشيفون والساتان كي ندفع عن أنفسنا تهمة الإرهاب؟







Read more ...

الخميس، 29 سبتمبر، 2016

لعبة الغميضة – محمد الفاضل




تكوم جسده المتهالك فوق القبر محاولا ضمه إلى صدره بكلتا يديه وهو يردد بصوت حنون عذب يفتت الصخر .

- طلع يا متخبي .... طلع ...

بدأ يحثو التراب على رأسه بعد أن خالطت الدموع لحيته المعفرة بالغبار ، عينان زائغتان تحملقان في الأفق البعيد ، جسد براه السقم وأنفاس تصدر من روح مكبلة بالأحزان ، مثخنة بالجراح ، يتمتم بعبارات مبهمة وهو ينتحب وكأن أحزان الكون قد تجمعت فوق رأسه .
قبور متراصة ، تمتد بعيدا وقد نبتت شقائق النعمان وبعض الحشائش على جوانبها ، توزع بعض رواد المقبرة على مقربة منه ، بعضهم يضع الزهور ، والبعض الآخر يرتل القرأن ، نساء متشحات بالسواد وقد تعالى عويلهم ، الحزن يلف المكان .

لم يدر كم مضى على وجوده وهو مستغرق في النوم ، أستجمع ما تبقى له من عزم ومضى يجر أرجله بتثاقل ، حتى شارف على أطلال منزل مهدم بعد أن سوي بالأرض ، في صباح ذلك اليوم الربيعي ، قرر أحمد أن يقضي بعض الوقت مع ولده الوحيد ، يلاعبه بحنان كي يعوضه عن التقصير في الأونة الأخيرة .

جلست الزوجة ترقب المشهد ، وقد ارتسمت على محياها ابتسامة عريضة ، مر زمن لم يدخل الفرح قلوبهم ، أصبح الترقب والقلق ضيفا ثقيلا وشبح الموت يجثم فوق القرية الوادعة ، يرفض أن يغادرها ،

- يلا نلعب لعبة الغميضة ، بابا . من زمان مالعبناها . بدأ وليد يستعطف والده .

- على عيني ، يا بابا . أنا راح غمض وأنت حاول تتخبى .

بدأ الولد يجري مسرعا وقلبه يكاد يقفز من الفرح ، يبحث عن مكان يختبئ فيه ، أغمض الأب عينيه وبدأ يعد ، واحد ... أثنان ... ثلاثة ... ها .. خلص ولا لسه ؟
نهض أحمد وبدأ ينادي بأعلى صوته ،

- طلع يا متخبي ... طلع ... أنا جيت ... وينك ؟
بدأ يبحث عن وليد في أرجاء المنزل ، قادته قدماه إلى المنزل المجاور الذي قصفته الطائرات في الأونة الأخيرة وقد كان وليد خلف أحد الأعمدة المتبقيىة ، اقترب منه محاولا الإمساك به ، ولكنه لم يبد حراكا ، رصاصة قناص أخترقت قلبه الصغير وخرجت من ظهره ، تاركة بقعة حمراء .

السويد – 29 / 9 / 2016



Read more ...

الأحد، 18 سبتمبر، 2016

آخر فرسان الزمن الجميل – محمد الفاضل



إلى من سكن سويداء قلبي ومازجت أنفاسه العطرة ثنايا فؤادي وسكب خلاصة محبته ودفء مشاعره في ضفاف الروح ، إلى من ترك غصة في النفس مابرحت تشعل نارا مستعرة في حنايا صدري ، تهيج القلب بذكرى عبقة ، تفجر براكينا من الشجن. إلى من تفيأت ظله ليقيني حرالشمس ، وتوسد رأسي المتعب فيض وحنان ساعده المفتول ، إلى آخر فرسان الزمن الجميل وجرحي النازف الذي لم يبرأ ، أبي الذي لايعدله شئ في هذا الكون ، كم هو مؤلم أن أفتقد وقع خطواتك الجميلة وعبق أنفاسك التي علقت في زوايا ذاكرتي الحزينة ، أي أرض احتضنت رفاتك الطاهر وأنا في غربتي ، خلف الشطآن الغريبة ، أتقلب على جمر الحنين ، أصبر الروح ، أعللها بلقاء قريب ، وحضن دافئ .

لم يمهلك القدر ، غادرتني وأنا بأمس الحاجة إلى صدرك الحاني وإطلالتك المشرقة ونصائحك السديدة ، تمنيت أن نرسم الطريق سوية وأنا أتعلق بيدك التي تفيض بالطهر ، بت أفتقد أحاديثك الشيقة وطيبتك المتدفقة مثل شلال عذب ، سامحني ياحبة القلب ! لم أستطع أن أحمل نعشك على كاهلي وألقي عليك نظر وداع أخيرة لتهمد روحي ، هل حقا أهالوا التراب على وجهك الوضاء ، أواه ! واحر قلباه ! عشت غريبا ودفنت في أرض غريبة ، وأنت تحلم بالعودة إلى الوطن ! وتحمل فوق كاهلك همومنا

أترانا نرجع يا أبي ، نندس بين أحضان الأحبة ونشم عطرهم ؟ يا خوفي من غد ! ماذا تخبئ لنا الأقدار ؟ يارب ، قد طال البعاد ونأت بيننا المسافات وجثت الروح تئن بصمت ، تجتر وتشم عطر الذكريات . متى نحط عصا الترحال ؟
لكم وددت أن تحمل أحفادك بين ذراعيك ، تقص عليهم حكايات الزمن الجميل وهم يتقافزون حولك في حبور ، فتخبرني أن دعهم يا ولدي ، فلا أزكى من رائحتهم وأجمل من شقاوتهم . مازالت دموعك الحارة وآخر وداع بيننا ، يوم رحلت ، تعيش في بقايا ذاكرتي التي تشبه الحلم .

السويد – 2016 / 09 / 18
Read more ...

الاثنين، 22 أغسطس، 2016

محمد الفاضل، رحلة الشمال



كل الشكر والتقدير للدكتور الأديب جمال الجزيري على نشر كتابي الإلكتروني بعنوان رحلة الشمال ويحوي مجموعة قصص قصيرة لي . أسعدني صدور كتابي الإلكتروني الأول .....



محمد الفاضل، رحلة الشمال، قصص قصيرة، ط1، أغسطس 2016.pdf
MediaFire is a simple to use free service that lets you put all your photos, documents, music, and video in a single place so you can access them…
MEDIAFIRE.COM
Read more ...

الاثنين، 8 أغسطس، 2016

ألبوم صور – محمد الفاضل




توكأت على عصاها وهي ترتجف بعيد أن احدودب ظهرها وابيض شعر رأسها ووهن عظمها ، ولم يعد جسمها يقوى على تحمل أعباء الحياة وصروفها القاسية ، ذبل ذلك الوجه النضر والمشوب بالحمرة وحل محله وجه متعب بعد أن غزته التجاعيد وتركت بصماتها جلية ، تحشرجت الكلمات في حلقها وهي تبتلع الغصات وعيونها تفيض بالدمع السخي ،

تخاطب فلذة كبدها بصوت رخيم ، يذوب له الفؤاد شوقا ، تتفرس في وجهه وتتأمله بحنو بالغ ، أي بني ! يمين الله لا تتركني نهبا للهواجس والمخاوف ، رفقا بي ، ياسلوى الروح ، إلى من تكلني ؟ هل هانت عليك آلام المخاض ، وسهر الليالي والحضن الدافئ ، هل ضاق بك الوطن ياحبة القلب وبؤبؤ العين حتى بت تركب البحر وتفتش بين الخرائط عن وطن خلف البحور البعيدة ؟ أخشى عليك من الغرق في خضم تلاطم الأمواج ..

بدأت أوراق خريف عمري تتساقط ، مضى من العمر جله فهل من لقاء ؟ أتصفح ألبوم صورك بعيون دامعة ، زائغة وأصابع مرتجفة ، أترقب عودتك كل مساء ، أشعل شمعة أمل عند نافذتك ، أذرع غرفتك جيئة وذهابا كل يوم ، أحتضن وسادتك بين أضلعي ، مازال عطرك يعبق بها ، هنا حبوت أول مرة ، وهناك نطقت كلمة ، ماما ، فمادت بي الأرض ورقص قلبي طربا ، في تلك الزاوية ، على جدار الغرفة تركت رسومك بعد أن عبثت بالألوان ورسمت قارب وبحر ينعكس على صفحاته ضوء القمر.

ارجع ياولدي ولاتذبح فؤادي مرتين ، مكانك بين جوانحي ، فهو الملاذ والوطن مهما جار الزمن وفاض الشجن ، ألمح وجهك في زوايا الغرفة وبين طيات ألبوم الصور ، وفي كل صباح عندما تلثم قطرات الطل شفاه الياسمين والأقحوان ، حتى أوراق شجر الليمون باتت تجثو حزينة كلما تلاعبت بها نسيمات الصباح ، فهل من لقاء ؟

السويد – 7 / 8 / 2016
Read more ...

السبت، 6 أغسطس، 2016

سليم في حضرة الوزير – محمد الفاضل




تحلق عدد من أهالي القرية المنسية حول سليم وهم يتدافعون بحماس ، حرص على تدوين كل احتياجات الأهالي وصياغتها بأسلوبه المميز ، كان أوفرهم حظا فقد أكمل تعليمه الإبتدائي ، ناهيك عن ذكائه المتوقد وخطه الجميل بشهادة الجميع ، انهمرت عليه الطلبات مثل زخات المطر ، بدا متململا ولكنه آل على نفسه أن ينقل الرسائل بأمانة وصدق . شرع بالكتابة وهو في حالة حبور وترقب ، غدا سوف يمتع ناظريه برؤية الوزير الذي تكرم ووافق عل زيارة قريتهم عشية الانتخابات برغم مشاغله الجمة وحجم الأعباء الملقاة عل عاتقه ، هو الأقرب إلى نبض الشارع كما يبدو في التلفاز عند زياراته التفقدية الموزعة على خارطة الوطن .

سليم من أشد معجبيه ، هو ابن قريتهم ، ولطالما أسبغ عليه صفات جمة وأطنب في وصف ورعه وحبه للشعب ، ونزاهته التي هي فوق الشبهات ، حتى أنه رفعه إلى مصاف الأنبياء ، تحولت القرية إلى خلية نحل وكل منشغل بأمر ما ، هذا يعلق صور ابن القرية البار وذاك يزين دكانه بلافتات كتب فوقها عبارات ترحيب ، وآخر يعلق الزينة مع الأعلام .

في ذلك الصباح الربيعي المشرق اصطف الأهالي وتوزعوا عند مدخل القرية وقد ارتدوا ثياب العيد ، تصدر المشهد الوجهاء مع مختار القرية ، يرافقهم سليم وهو ينوء بحمل العرائض والظلامات التي قام بكتابتها أمس. حبست الأنفاس واشرأبت وتطاولت الأعناق فقد لاح موكب الوزير ، تحف به السيارات الفارهة التي تنهب الطريق الريفي مخلفة سحابة من الغبار ، تعالت الزغاريد وصدحت الأصوات بهتافات تدرب عليها الجميع مساء البارحة تحت إشراف سليم ، ونحرت الأغنام احتفاءا بوصول ابن الشعب البار .

تسابق الأهالي نحو السيارة وكل يمني النفس بلثم يد الوزير ونيل شرف مصافحته ، استنفر طاقم الحماية وبدأوا بتفريق وإبعاد الأهالي ، في تلك الأثناء كان الوزير يلوح بيده لجموع المحتشدين وهم يتدافعون بحماس ، اقترب سليم من السيارة وهو يحمل هموم الأهالي وهم بلثم يد الوزير ، مد الوزير يده باشمئزاز متصنعا الود حيث طبع سليم قبلة فوق يده ولم ينس أن يسلمه الأمانة التي كلف بها ، تجهم وجه الوزير وشعر بالتقزز ، أومأ لمرافقه ، فناوله المناديل المعطرة ومسح يده بقرف ظاهر وهو يتمتم :

- رائحة ذلك الفلاح تفوح بروث البقر وفضلات الدجاج !

- ولكن ، يا سيادة الوزير ، ماذا أفعل بكل تلك الأوراق ؟ سأل مرافق الوزير .

- تخلص منها ، تصرف ! ارمها في أقرب سلة مهملات ، أجاب الوزير ، ويحهم ! كيف يتجرأون ؟ هؤلاء الفلاحون لا يشبعون... أردف قائلا .

السويد – 6/ 8 / 2016
Read more ...

السبت، 30 يوليو، 2016

لن أختبئ خلف اصبعي – محمد الفاضل



لن أتأنق وأضيع وقتي في اختيار البدلة المناسبة التي تليق بالحدث ولايهمني تناسق الألوان ، يكفي أن أحضر حتى ولو بملابس السباحة ، وسأرفض رفضاً قاطعاَ ارتداء ربطة العنق وسأتعمد لبس زوج جوارب مثقوبة ، سأضرب عرض الحائط بكل التقاليد والأعراف والمجاملات التي تعودنا عليها ، سوف أخالف جميع قواعد الاتيكيت والكياسة ، وربما ألجأ إلى سحب السفير بحسب القوانين الدولية المتبعة ، لم يعد ينفع أن نُجَمل الحقائق ونثني على جمال عيون الأعور ونُسهب في التغزل بها ، ونسبغ عليه ألقابا لايستحقها ، لن أختبئ خلف إصبعي وأدعي أن كل شئ على مايرام ، فالأمر جلل وأرفض الدخول في جدل بيزنطي لاطائل منه ، لن أدعي الحياد والموضوعية في تناولي هذا الموضوع الهام .هي مجرد تساؤلات مشروعة أضعها بين أيدي العقلاء وأخص بالذكر طبقة الانتلجنسيا بغض النظر عن مشاربهم ،

من الطبيعي أن نختلف في كثير من المسائل اليومية ولكن تبقى هناك ثوابت وبديهيات لايمكن الالتفاف حولها ، وإلا وسمنا بالعناد الأجوف وعدم المصداقية ، هذا إذا أحسنا الظن ، لماذا يصر البعض على إلصاق التهم والتخلف بالدين الإسلامي ويشوه الحقائق عن سبق إصرار وتعمد ؟ ماالعيب في إرتداء الحجاب ، أليس حرية شخصية ؟ وأنتم تتشدقون وتدبجون القصائد في أهميتها وقدسيتها ، أم أن الحرية درجات وألوان ؟ وقد لاتليق بالبعض ! هل أصبح الدفاع عن الشذوذ الجنسي فضيلة ورقي ، والملابس الساترة جريمة ؟

هل يُجرم البعض إذا أطلق لحيته ، وتكال له كل التهم والجرائم ، بل يعتبر إرهابي ؟ أليست اللحية موضة عصرنا ، وقد أنتشرت حتى في أوساط الممثلين والفنانين ؟ ألا يسعى الغرب لفرض سيناريو بالقوة على كل المنطقة ؟ هل جرائمه مبررة كون بشرته بيضاء ويرتدي أفخر ماركات البدلات ، ويضع العطور كي يغسل يديه من دمائنا ويظهر وكأنه داعية سلام ! من يقصف مدننا بالطائرات ، أليس الغرب ؟ من سَوق الورقة الطائفية ، ولمصلحة من ؟

لماذا ندافع عن الطغاة ونبرر جرائمهم ؟ لماذا نعطي الحق للحاكم المجرم أن يستخدم كل أدوات القتل ويستعين بكل المرتزقة والمليشيات ومن خلفهم الغرب ( حمامة السلام ) ونعتبره حق مشروع ؟ هل المطلوب أن نُدفن أحياء تحت ركام بيوتنا وتُمسح مدننا بحجة مكافحة الإرهاب ؟ إرهاب من ياسادة ، بالله عليكم أجيبوني !

هل يُعقل أن تستباح الشام من أجل طبخة مسمومة تُطبخ على نار وقودها الأبرياء ؟ هل من المنطقي أن يجلس الطاغية فوق كرسي من الجماجم ، كونه ظل الله في الأرض ؟ ثم يخرج علينا أحدهم ويسميه نصراَ ! هو ذئب فلماذا تصرون أن تلبسوه ثياب الحملان ؟ قليل من الحياء ، ياسادة وبضعة غرامات من الصدق ورشة بهارات من الموضوعية ، علها تُعيد لنا بعض كرامتنا المهدورة !

محمد الفاضل
السويد – 30 / 7 / 2016





Read more ...

الأربعاء، 6 يوليو، 2016

مراكب خلف الشطاَن – محمد الفاضل




يتهادى قارب الأحلام في عرض البحر ، يحمل في جوفه وعود وأماني ظلت حبيسة صندوق ذكريات عتيق ، مع أهات وغصات ، في ذلك المكان البعيد خلف الشطاَن وغابات النسيان وبرد الشمال ، تنتظر الأمهات عند مرافئ الوداع عودة الأحباب ، هملت العيون وصدحت التسابيح في جوف الليل ، يحدوهم الأمل بلقاء قريب . ودعاء في ساعة سحر ، يا راحلين ارجعوا .. اشتاقت لكم زوايا المكان ، وسهرات المساء ، ومواسم الحصاد ، ورائحة قهوة الصباح بطعم الهال وعبق الياسمين ، رحلتم وتركتم في القلب غصة ، مازالت شجرة الدار وزهر الياسمين يتنسم عطركم مع نسيمات الصباح وأنفاس الفجر . مازال العيد يفتقد ضحكاتكم ، والأطفال ينتظرون ( خرجية ) العيد .

أبحرت مراكبكم مع أول ضياء ، تمخر عباب المجهول ، في لجة البحر وتلاطم الأمواج ضاعت الأمنيات والذكريات ، تحجرت الدموع في المأقي ، وعلى شاطئ البحر يرقد( اَلان ) يلعن الخذلان ، بعيدأ عن أحضان الأمهات المكلومات ودفء المكان ، مرت السنون سراعاً ولم تزل المراكب تبحث عن مرفأ .
حتى مرابع الصبا لم تعد تعرفنا ، بتنا غرباء ، في خضم بحثنا عن الأوطان .

يا بحر ...كم ابتلعت من قصص وحكايا .... وكم ابكيت من عيون ،
يا قارب الأحلام ... رفقاً بقلوب الأمهات ، فقد طالت الأيام ولم يعد للحزن متسع ،
يا ليمونة الدار ... أما زلت تذكرين عهدنا أم تراك نسيت ؟
يا عصفور السنونو ... أما زلت تحمل رسائل الشوق لأحباب خلف الوادي ، أم تراك هرمت ؟
يا كرمة الدار ... أما زلت تذكرين سهراتنا تحت ضوء القمر ، أم تراك يبست ؟

يا أماه ... أما زلت تذرفين الدمع وتشمين قميص يوسف وعدنان ، أم ترى عيناك ابيضت من الحزن على فرقة الخلان ؟ هل مازلت تلوحين لكل العابرين ؟ لله درك كم صبرت ، وكم ... وكم
كفكفي الدموع يا أماه ، نحن عائدون ، نحن عائدون يا وطن ، نكحل العيون بتراب الشام ونلثم جباه الأمهات ونمسح الغبار عن دفتر الذكريات وألبوم الصور ، نروي شجر الياسمين ونحتسي قهوة الصباح تحت ظلال الزيزفون وجفنات العنب . سنكتب على أوراق السنديان والحور قصائد غزل وملاحم فاقت بطولات أخيل .

السويد – 1 / 7 / 2016
Read more ...